الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

279

آيات الولاية في القرآن

الشريفة ، لأنه كما تقدّم سابقاً أنّ الهجرة لا تختصّ بالمسلمين في أوائل البعثة بل هي ممكنة في كلِّ زمان ومكان ، وتعني الهجرة من أجواء الذنوب إلى أجواء الطاعة ، ومن دائرة الرذائل إلى دائرة الفضائل ، ومن الظلمات إلى النور . سؤال : ما ذا تعني مفردة « بإحسان » التي وردت في الآية الشريفة لوصف « التابعين » ؟ الجواب : هنا يوجد احتمالان في تفسير هذه المفردة : الأوّل : أن لا يكون اتّباع المهاجرين والأنصار بالكلام فقط بل ينبغي أن يتجسّد في الواقع العملي في حركة الإنسان ، وبعبارة أخرى أن يتّبع المسلم المهاجرين والأنصار بشكل جيّد ودقيق . الاحتمال الثاني : أن يتّبع الإنسان المهاجرين والأنصار في أعمالهم الحسنة لا في جميع الأفعال والسلوكيات الأخرى ، لأنه كان بين المسلمين الأوائل بعض الأشخاص الذين كانوا يتحركون في حياتهم الفردية والاجتماعية على خلاف تعليمات النبي صلى الله عليه وآله وأحكام الإسلام . وخلافاً لما يراه أهل السنّة من عدالة وعصمة جميع صحابة النبي « 1 » فنحن نعتقد أن الصحابة ليسوا معصومين جميعاً ، والآية الشريفة أعلاه يمكنها أن تكون دليلًا جيّداً على

--> ( 1 ) في سفري الأخير إلى مكّة المكرمة ( عام 1422 ه . ق ) اقترح عليّ بعض علماء أهل السنّة في مكّة المكرمة أن نعقد جلسة للحوار بيننا ، ومن جملة البحوث التي طرحت في تلك الجلسة بحث عدالة الصحابة حيث قلت لهم : إنكم تعتقدون بأن جميع الصحابة عدول ومنزّهون عن ارتكاب الذنوب في حين أنّ الصحابة هم الذين اشعلوا نار حرب الجمل والتي ذهب ضحيتها أكثر من 17 ألف من المسلمين ، فمن المسؤول عن كلّ هذه الدماء ؟ وإذا كان سفك دم مسلم واحد يوجب دخول النار فكيف بدماء 17 ألف إنسان ؟ وقد أجاب بعض علماء أهل السنّة : إن طلحة والزبير وعائشة بالرغم من كونهم السبب الأساس في اشعال نار الحرب ، إلّا أنهم انسحبوا قبل بدء القتال ولم تتلوث أيديهم بدماء المسلمين ! ! فقلت في جوابهم : على فرض صحة هذا الادعاء ، فهل يكفي لمن اشعل نار الحرب أن ينسحب من الميدان وينقذ نفسه ويترك الآخرين يحترقون بنارها ؟ أو يجب عليه السعي لإطفاء نار الحرب والفتنة ؟ ! ثمّ سألتهم : لقد قتل في حرب صفين حوالي مائة ألف نفر من المسلمين ، فمن هو المسؤول عن ذلك ؟ قالوا : إن معاوية اجتهد فأخطأ ولا مسؤولية عليه . فقلت : إذا كانت دائرة الاجتهاد واسعة إلى هذه الدرجة ، إذن فلا ينبغي أن يطال العقاب أي مذنب أو مجرم لأنه أخطأ في اجتهاده ، فهل يقبل العقلاء هذا الكلام ؟ !